مسودة الاستبداد، هذه المرة بلا عمامة
روايتان تقفان على طرفي انقسام سياسي، لكنك حين تنظر في المرآة، تعكسان وجهاً واحداً: كلاهما لا يرى التاريخ مساحة لتعددية القوى بل ميداناً للاستحواذ الحصري على الفاعلية. كلاهما يعيد كتابة تاريخ الأمس بطريقة تضمن الاستباق بالقبض على قوة الغد. كلاهما ينطلقان من منطق واحد: منطق الاستحواذ على التاريخ من أجل الاستحواذ على السلطة. اقرأ بقية المقال.
مأخوذ من قناة تلغرام لمحمد مالجو:
روايتان تقفان على طرفي انقسام سياسي، لكنك حين تنظر في المرآة، تعكسان وجهاً واحداً: كلاهما لا يرى التاريخ مساحة لتعددية القوى بل ميداناً للاستحواذ الحصري على الفاعلية. كلاهما يعيد كتابة تاريخ الأمس بطريقة تضمن الاستباق بالقبض على قوة الغد. كلاهما ينطلقان من منطق واحد: منطق الاستحواذ على التاريخ من أجل الاستحواذ على السلطة.
التأريخ الرسمي في الجمهورية الإسلامية يختزل أصلًا مسيرة النضال ضد النظام الملكي وبشكل ممنهج في نضال التيار الإسلامي منذ خرداد 1342 فصاعداً. وكأنّه لا قبل خرداد 1342 ولا بعده كان هناك تنظيم واسع لحزب توده الإيراني في العقد 1320، ولا انتفاضة للقوى الوطنية في منعطف تأميم صناعة النفط بقيادة محمد مصدق، ولا نضال حرب العصابات للقوى اليسارية منذ أواخر العقد 1340. هذا الإقصاء المنهجّي ليس مجرد خطأ معرفي بشأن الأمس فحسب، بل هو استراتيجية لاحتكار السلطة في اليوم أيضاً. وحين تتلخص كل الفاعلية التاريخية في تيار واحد، فإن الاحتكار السياسي لما بعد الثورة يظهر أيضاً كـ «حق طبيعي للمنتصرين». هكذا يتحول التأريخ، استناداً إلى التقنية الفاشية المتمثلة في النسيان الانتقائي، إلى أداة تشرعن السلطة الاحتكارية اليوم.
لكن هذه هي النقطة بالذات التي تبدأ عندها المقارنة وتسقط الأقنعة. اليوم، يعيد قطاع مهم من القوى الملكية، في صراعه ضد الجمهورية الإسلامية، إنتاج المنطق نفسه تماماً. فبالنسبة لهم أيضاً، يجب أن يكون تاريخ المقاومة أحادي الصوت، وهو رواية تدور حول اسم واحد وعائلة واحدة وراية واحدة. وفي هذا الإطار، يتم إنكار كل من الحركة الخضراء في عام 1388 وحركة «مرأة حياة حرية» في عام 1401 تماماً، على سبيل المثال. هذه الحركات لا يتم الاعتراف بها كلحظات مستقلة وقائمة بذاتها من الفعل الجماعي، بل تعتبر صالحة بالقدر الذي تذوب فيه داخل إطار الرواية الملكية فقط. وإن لم ترضَ بالذوبان، يتم تهميشها. وإن قاومت، يتم تشويهها.
إن القمع الرمزي للشعارات، ومصادرة الانتفاضات، وإنكار الشخصيات غير الملكية، وإعادة تعريف أي حركة احتجاجية كمقدمة لعودة نظام مركزي، كلها مؤشرات واضحة على النزعة نحو نموذج القيادة الأحادية. إنه منطق «الكل أو لا شيء»: إما أن تذوب فيّ أو تُحذف.
مثل هذا المنطق ليس تكتيكياً فحسب بل هو استبدادي بطبيعته. هذا المنطق يشترط أصلاً أي استقلال فكري أو عملي بقبول لا ريب فيه للتسلسل الهرمي للملكيين، ولا يعترف بحق الوجود للقوى الاجتماعية والسياسية الأخرى. فالملكيون يهربون عملياً من «تعددية مشروعة» في الساحة السياسية، ولا يعترفون بالآخرين إلا عندما يتخلى هؤلاء عن هويتهم وأهدافهم المستقلة ليذوبوا تماماً في إطار رواية ومنطق الملكيين.
وهكذا، فإن الصراع الظاهري بين الخطابين، أحدهما إسلاموي والآخر ملكي، يصل على مستوى أعمق إلى الاشتراك في صفة جوهرية واحدة: عدم القدرة على تحمل التعددية التاريخية والسياسية. أولئك الذين ينكرون تاريخ الآخرين اليوم، لن يخضعوا لتعددية السلطة غداً أيضاً. فالاستحواذ على الماضي هو في الواقع تمرّن على الاستحواذ على المستقبل. ومنطق الإسلامويين الاحتكاري يتكرر الآن في هيئة ملكيين.
Related articles
إذا لم يرد الشعب الحرية: من «الخوف من الشعب» إلى سياسة الرعاية
مع توجيه النقد لتصورات الملكيين والمحافظين عن الانتقال، يناقش هذا المقال، مخاطباً القوى اليسارية والجمهورية القلقة من تعميم المطالب الرجعية، ضرورة الانتقال إلى سياسة الرعاية في مواجهة التصورات النمطية عن توعية الجماهير.
«دی ۱۴۰۴؛ الانتفاضة، النزعة البهلویة وخطر تغيير النظام من الأعلى»
تتحليل لجنة العمل للتنظيم العمالي في مذكرة على موقعها الرسمي بعنوان «انتفاضة 1404: نصف خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء»، انتفاضة يناير/ديسمبر 2025 امتداداً لاحتجاجات يناير 2018، نوفمبر 2019 و«المرأة، الحياة، الحرية»، معتبرة إياها موجة عمّقت الرادیکالیة الشارعیة من جهة وهيّأت الظروف لمشاريع رجعية كالنزعة البهلویة وتغيير النظام الإمبريالي من جهة أخرى.