قوة الجماهير في عصر «سياسة القسوة»؛ الإعلام، الرجعية الأداتية والمستحيلات المقاومة
في الأسابيع التي «تكثفت فيها لعقود» على حد تعبير الكاتب، يتناول محمد حاجينيا في مقال مطول على موقع «نقد الاقتصاد السياسي» إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في إيران اليوم: لماذا يرتفع شأن الملكية البهلويّة هكذا وتُهمش اليسار إلى هذا الحد، وما الذي يفعله الإعلام أو لا يفعله في هذا السياق؟
في الأسابيع التي «تكثفت فيها لعقود» على حد تعبير الكاتب، يتناول محمد حاجينيا في مقال مطول على موقع «نقد الاقتصاد السياسي» إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في إيران اليوم: لماذا يرتفع شأن الملكية البهلويّة هكذا وتُهمش اليسار إلى هذا الحد، وما الذي يفعله الإعلام أو لا يفعله في هذا السياق؟
بدلاً من تكرار السردية المبسطة القائلة بأن «كل شيء خطأ الإعلام»، يتحدى حاجينيا هذا التصور الأداتي: فبرأيه، إن اختزال التحولات الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية المعقدة في «الدعاية الإعلامية» يجعل فهم الواقع مستحيلاً والتدخل الفعال متعذراً. وهو يذكر بأن الملكيين والقوميين «العظمتيين» يمتلكون منابر منذ سنوات، و«الجعجعة في الواقع الافتراضي» ليست أمراً جديداً عليهم، لكنهم لم يبلغوا قط حتى اليوم مستوى النفوذ الاجتماعي الحالي؛ وبالتالي، فإن الإعلام شرط إمكان لا علة تامة.
في قلب استدلال المقال يقع نقد لفهم السياسة الذي يختزل السلطة في «امتلاك الأداة والتقنية»: فهم أقوياء لأن لديهم إعلاماً وتقنية وجهازاً؛ ونحن ضعفاء لعدم امتلاكنا هذه الأدوات. يظهر حاجينيا أن هذا المنطق يقوم بأمرين في آن واحد: فهو من جهة يدفع الجماهير نحو الائتلاف والمساومة مع مختلف فصائل الطبقة الحاكمة، ومن جهة أخرى، عبر تحويل الفجوة الموضوعية في السلطة (الوصول إلى الأدوات) إلى شعور داخلي «بالعجز»، يجعل الاستئصال أمراً طبيعياً والبديل مستحيلاً.
مستعيراً من إتيان باليبار وألتوسير وغيرهما، يصوغ حاجينيا الآلية الأساسية للطبقة الحاكمة على أنها «تحويل الخوف من الشعب إلى خوف الشعب»: من إخفاء العنف، إلى عرض قوة القمع، إلى ممارسة القسوة العارية، كلها تخدم تثبيت فكرة أن الجماهير لا تملك أي أداة فعالة وبالتالي «لا شيء في إمكانها فعله». في هكذا وضع، فإن الرجعية «الأداتية» التي لم تستولِ على الدولة بعد، بوصفها بديلاً رجعياً للتي يمسك بزمام الدولة، تلعب على نفس الأرض التي سُلبت مسبقاً من الجماهير: أرض السلطة الجماعية.
في مواجهة هذا الإطار الأداتي، يشدد حاجينيا على التمايز الكيفي بين نوعين من الممارسة السياسية: ممارسة الطبقة المهيمنة التي ترتكز على «آلة الدولة»، والأجهزة الأيديولوجية والاعتياد، ولا تحتاج حتى لأفكار صحيحة لإعادة إنتاج سلطتها؛ وممارسة الطبقات المسحوقة التي لا سلاح لها سوى «أيديها»، «أفكارها» و«قوة الاستدلال»، والتي تضطر لإنتاج أسلحتها ومفاهيمها وتصحيحها في خضم النضال. في هذا الأفق، لا تكون النظرية الصحيحة والخط السياسي الدقيق ترفاً فكرياً بل شرط إمكان لأي تنظيم تحرري.
ثم يعيد الكاتب، بالرجوع إلى لينين وغرامشي، تعريف مكانة الإعلام في نسبته إلى التنظيم والنظرية: فالصحيفة (والإعلام عموماً) ليست بالنسبة للينين «أداة دعاية» لاستمالة الرأي العام الغامض، بل هي «المنظم الجماعي» الذي يجمع «شرارة النضال» ويحولها إلى «شعلة واحدة»؛ الإعلام بمثابة الخيط الذي يتيح بناء الصرح الكبير للتنظيم السياسي حول خط نظري محدد. كما يظهر غرامشي بمفهوم الهيمنة و«حرب المواقع» أن الهيمنة الثقافية هي سياسية في الأساس ولا تتحقق دون تنظيم و«إصلاح فكري وأخلاقي» ينبثق من خط منسجم؛ مع ذلك، لا يمكن لهذا الانتشار أن يتم عبر قناة واحدة أو بالشكل نفسه.
من ثنايا هذا النقاش تبرز المقولة الأساسية للمقال: أولوية «ماذا» على «كيف»، أولوية التوجه والخط السياسي على الأداة والتنظيم. يشير حاجينيا مستنداً إلى قراءة ألتوسير لكتاب «ما العمل؟» إلى أننا إذا صغنا السؤال بالشكل التالي: «ما العمل للمساعدة في توجيه وتنظيم النضال الطبقي؟»، فسيتضح حينها أن الحزب والإعلام والأداة يجب أن تُبنى بناءً على الخط السياسي، لا العكس؛ فالأدوات المتقدمة جداً، من دون توجه سليم، ليست سوى وسيط أسرع نحو الهزيمة.
في الختام، يفهم المقال «سياسة القسوة» ارتباطاً باقتصاد الاستئصال وهندسة الآفاق: فالعنف المفرط، وعرض العنف أو إخفاؤه، وقطع أفق المستقبل، وفصل «البرنامج الأقصى» عن «المطالب الدنيا»، كلها تعمل لخدمة نتيجة مفادها استخالة المقاومة، وانحصار الخيار بين قطبي الرجعية الأداتية. يستشهد حاجينيا بغاستون باشلار، واصفاً المعطيات المباشرة و«الوقائع» الخام بأنها ليست أدلة بل «متهمون»، ومذكراً بأن رؤية إمكانيات المقاومة في هذه اللحظات بالذات لا يمكن أن تتم دون التشبث بالنظريّة وتاريخ النضال الطبقي.
يؤكد ختام النص، إشارةً إلى مقولة كارل ليبكنخت الشهيرة «رغم كل شيء»، أنه بالنسبة لليسار، وفي خضم «مجزرة هاتين الليلة وإبادة تلك السنتين»، فإن البديل الوحيد المدافع عنه أخلاقياً وسياسياً هو المقاومة؛ مقاومة إن اختُزلت في تبرير الاحتماء خلف إحدى الرجعيتين، فإنها ستسلب الأجيال القادمة «لغة النضال وكلام المقاومة» المكتوب بدماء أكثر من قرن من الصراع، منذ الثورة الدستورية وعام 1957 وحتى يومنا هذا. وفي أفق هذا النص، ليست الهزيمة مقدرة ولا النصر مضموناً؛ بل إن ما هو حتمي هو ضرورة تنظيم قوة الجماهير حول الخط السياسي الذي ينتزع إمكانيات المقاومة من تحت أنقاض «سياسة القسوة».
إذا كان هذا التقرير مثيراً للاهتمام أو إشكالياً بالنسبة لك، فنقترح عليك، من أجل فهم كامل للاستدلالات والإحالات النظرية واللطائف اللغوية، قراءة النص الكامل لمقال «الإعلام، «سياسة» القسوة و(لا)ممكنات المقاومة» بقلم محمد حاجينيا على موقع «نقد الاقتصاد السياسي».
Related articles
العودة إلى الماضي في الوعي الجمعي الإيراني
في هذه المقالة، يحلل آرفين بويان ظاهرة «العودة إلى الماضي» كعلامة على أزمة عميقة في المخيال السياسي للمجتمع الإيراني. وهو يجادل بأن الميل الواسع نحو ما يُسمى بالفترات «الذهبية» ــ من إيران القديمة إلى إعادة البناء الحنيني لعصر بهلوي أو صدر الإسلام ــ ليس مجرد تفضيل أيديولوجي، بل هو متجذر في التجربة المتراكمة للهزيمة وعدم الاستقرار وانسداد أفق المستقبل.
الانقلاب الرجعي، أسطورة الثورة المسروقة وخطر الاستبداد الجديد: قراءة جديدة لمهرداد درويشبور في ثورة 57
في هذا المقال، يعود مهرداد درويشبور، استناداً إلى إعادة نشر نص تحليلي كتب قبل 39 عاماً، للتأمل في ثورة 57 ليظهر أن فهم مأزق الجمهورية الإسلامية اليوم غير ممكن دون نقد منطق تلك الثورة الشعبي (البوبوليستي) والاستبدادي نفسه. ومن خلال رفض الروايتين المهيمنتين - إحداهما حنين الملكية وتحميل «جيل 57» المسؤولية بشكل كامل، والأخرى أسطورة «الثورة المجيدة المسروقة» - يصر الكاتب على رواية ثالثة تبحث، بالتزامن مع معارضتها منذ البداية لمشروع الحكومة الدينية، عن جذور الاستبداد في متن الثورة نفسها.
بين الانسداد والفرصة: ماذا يقول نيكفر عن مأزق النظام وإمكانية التحرر؟
في هذا المقال التحليلي على راديو زمانه، يصوغ محمدرضا نيكفر وضع الجمهورية الإسلامية والمجتمع الإيراني اليوم بمفهومين محوريين هما «الانسداد» و«الفرصة»، محاولاً إظهار كيف يمكن لانتفاضة ما أن تحول إما إلى انفراجة محررة أو إلى كارثة تضيع فيها الفرص.